ـ "... إن فى الإنسان منطقة عجيبة سحيقة لا تصل إليها الفضيلة ولا الرذيلة ، ولا تشع فيها شمس العقل والإرادة ، ولا ينطق لسان المنطق ، ولا تطاع القوانين والأوضاع ، ولا تتداول فيها لغة أو تستخدم كلمة ... إنما هى مملكة نائية عن عالم الألفاظ والمعاني ... كل مافيها شفاف هفاف يأتي بالأعاجيب فى طرفة عين ... يكفي أن ترن فى أرجائها نبرة ، أو تبرق لمحة ، أو ينشر شذا عطر ، حتى يتصاعد من أعماقها فى لحظة من الإحساسات والصور والذكريات ، ما يهز كياننا ويفتح نفوسنا على أشياء لا قبل لنا بوصفها ، ولا بتجسيدها ، ولو لجأ إلى أدق العبارات و أبرع اللغات ... " ـ

توفيق الحكيم

Within man lies a deep wondrous spot, to which neither virtue nor vice can reach. Upon which the sun of reason and will never rises. In which the mouth of logic never speaks, the laws and rules are never obeyed, and not a language is used nor a word is ever spoken.
It is a distant Kingdom, beyond words and meanings. With everything is a sheer murmur offering wonders in a blink. From the depths of which, suffice a single tone or a flash of mind or a scent of a perfum, to allow rise of emotions, pictures and memories, a rising that will shake our being and open ourselves to things we can neither describe nor materialize even if we used the most refined of phrases or the most skillful of languages.

Tawfiq Al-Hakim.
(My humble transalation of the arabic text)

Thursday, June 24, 2010

الحـدود



بعض صور التعبير الفنية تؤثر فينا بطريقة قد لا نتوقعها نحن شخصيا . فيلم ما أو مشهد واحد فيه، مقولة من سطر أو أثنين لمفكر فيها عصارة فكره ، صفحة من قصة قصيرة أو رواية طويلة ، أغنية أو قطعة موسيقية أو لحظات منها، لوحة مرسومة أو صورة ملتقطة أو تفصيلة فى تمثال منحوت ربما يظلوا مطبوعين فى ذاكرتنا لسنين بأثرهم الذى تركوه فينا . فى إعتقادى الشخصي أن بعض الأثر يكون مستمدا من اللحظة فى الزمن التى تعرضنا فبها لهذا الأثر و أنه فى لحظة أخرى تالية أو سابقة لم يكن ليصبح بنفس القوة و التأثير .
تدوينة قرأتها صباح اليوم هزتنى ...أعجبتنى جدا وتركتنى أفكر فيها جدا . أثرت على مزاجى لدرجة لم أتخيلها وتركتنى فى النهاية إذا جاز القول ( بالإضافة لموقف أخر مختلف تماما و مناقشة ثالثة لا أتذكر تفاصيلها وإنما أثرها مع صديقة ) ... مكتئبة . لماذا ؟ قد أكون أحبطت ... قد أكون حسدت ... قد أكون حقدت ... قد أكون دهشت ، لكنى مؤكد قد تساءلت .
ما الذى يَمنع ... ما الذى يمنع شخص ما من فعل ما هو ممنوع ؟
هل هو الخوف ؟
الإقتناع ؟
فرصة لم تسنح أو لن تسنح ؟

وما هى الحدود لما يُمنع.. حسب أى تعريف ينتهى المسموح و يبدأ الممنوع ؟
هل هى الحدود الدينية ؟
الأخلاقية؟
الإجتماعية ؟

الحدود ... طالما تسائلت نفس السؤال أو ما يشبهه و أعتقد أن إجابته عندى أنها خليط من الثلاثة ولأنى لا أفرق كثيرا مابين الديني و الأخلاقي فهى علاقة ما ( اتحاد أو تقاطع أو ترجيح لدائرة عن الأخرى ) بين دائرتي الحدود الأخلاقية و الإجتماعية... و لها عودة

ما أقضنى فعلا هى إجابة السؤال الأول ... لم أجد عندي إجابة له ... مع أنى سُئلت يوما سؤالا يشبهه و إجابتي كانت قاطعة لا تحتمل الجدل - االإقتناع . لكنى الأن وبسبب أثر هذه التدوينة أتسائل لنفسي ما الذى "حقيقة" يمنع أحدا مما هو ممنوع - سواء إتفق الناس على منعه أو سمح به البعض و جرمه البعض ؟
هل هو الخوف من سلطة أو كيان أكبر. سماوى أو أرضى . الكيان يمنع و وعليه أنا أخاف من عقابه و عليه فأنا أنفذ الأمر بدون مناقشة ؟؟ هل هو الإقتناع . قناعة مبنية على مبررات منظمة و مقنعة قابلة للنقاش الهادئ بدون الخوف من تصدع منطقها ؟ هل هى مجرد الفرصة التي لم تسنح (كثعلب يقنع نفسه أن العنب حصرم) لإختراق المنع وهل إذا توفرت الفرصة سيكون رد الفعل هو الإقدام بجسارة أو حتى بتردد على ما هو ممنوع.

-- فى 26 يونيو استكمالا لما سبق ، بعد هدوء و انسحاب لآثار الهزة الداخلية--

الحدود للعجب قد تتصادم ويصبح المطلوب ان نرجح كفة عن كفة - مثال بسيط- فى أغلب المجتمع المصري الزواج الثانى ممنوع إجتماعيا مع أنه مسموح دينيا - . وحتى فى الإطار الواحد قد يكون هناك درجات للمنع حسب القناعة الخاصة بالشخص ... مثال أبسط : من يسلم باليد على النساء ، من لا يفضل أن يسلم ، و من ليس عنده أدنى شك أن السلام باليد على إمرأة قمة الحرمانية ‍‍. بعض الناس تتلاعب بحدودها لمصلحتها لا أكثر وبعض الناس تتعامل مع حدودها بصرامة بدون نقاش وبعضهم حسنى النية يختارون فقط ما يناسبهم (وغالبا بالوراثة ) بدون أى غرض فى أنفسهم. لكن بعض الحدود تتلاشى من مكان لمكان و أحيانا من زمان لزمان لنفس المكان وبالتالى السؤال الأهم و الذى أيضا أفزعنى هل لو الحد تلاشى سيصبح الفعل صحيحا ؟

ثم... ما الذى يجب أن يمنع الشخص فعلا مما هو ممنوع؟؟ بعد تفكير أعتقد أنه يجب أن يكون -حقيقة- هو الإقتناع ، الخوف و الحصرم وجهان لشئ واحد هو الجبن عن مواجهة رد فعل لما فعلت . الكيان السماوى .. التعاليم الدينية منعتنا لسبب . ويجب أن نبحث عنه كى نقتنع وليس لمجرد الخوف فقط . الكيان الأرضى قد يغفل عنا للحظات ولن يبرر ذلك أن نفعل ما لن نفعله لو ان نفس الكيان منتبه لنا. أما نقطة الفرصة و سنوحها !! أعتقد أن أى أنسان يخلق فرصته لو أراد . وعليه ، نظرية الثعلب و الحصرم ربما تكون مستبعدة من الأساس
حتى الأن ... ربما عندى بعض الثغرات فى مسألة الإقتناع ... مثلا ماذا لو أننا نفذنا التعليمات ببعض التصرف ... بدون بعض الشكليات أو الطقوس المفترض أن تصاحبها ؟ هل هذا يعنى أننا لا زلنا نفعل الممنوع كاملا . أم أنناعلى صواب و مخطئون فى جزئية فقط ؟ - تسأؤل مستمد للعجب من علاقة براد بيت و أنجلينا جولي - لكن أعتقد أن هذا السؤال ناتج من قصور عندي فى الفهم وحله البحث عن إجابة بعمق أكبر.

ملاحظة - كل ده علشان مر فى خاطري بسرعة البرق سؤال من نوعية ماذا تفعل لو كنت مكانى ....!!!ـ

2 comments:

Meshmesha said...

شكرا على الاسئلة الجميلة ...من زمان لم اقرأ شيئا يدعونى للتفكير فية بعمق.
اسئلة هامة جدا و صعبة جدا فى نفس الوقت لانها متعلقة بجوانب خفية داخل النفس الانساني,
جانب حقيقته غالبا ما تكون معروفة عند الله فقط. بمعنى ان الانسان نفسه من الجائز جدا انه لا يملك اجابة قاطعة عن هذة الحدود فقط لانها لم تختبر من قبل.
رغم ان اسئلتك انطلقت من تدوينة معينة الا انى اعتقد انها تنطبق على كل شىء فى حياتنا ابتداء مما يطلق عليه بعض الناس كذب ابيض مع ان الكذب من صفات المنافقين كما جاء فى الحديث الشريف...ليه ملابس المحجبات اصبحت ضيقة جدا مع انهم نظريا محجبات...الخ الخ
اتفق معاكى ان الحدود مزيج من الحدود الدينية و الاخلاقية و الاجتماعية...المشكلة تكمن عندما يعلو الجانب الاجتماعى على الجوانب لاخرى. فى هذه الحالة ممكن الانسان يتجاوز الحدود اذا غير مجتمعه او اذا تأكد ان الناس لا تراه لان المعايير هنا مفروضه على الانسان.
انا اعتقد ان معايير الدين و الاخلاق من المفترض ان تنبع عن اقتناع. مثلا الله يدعونا الى التفكيرو اختيار الدين الذى نتبعه. فى هذه الحالة امتثالنا لاوامر الدين هو اقتناع بحكم الله و انه يريد الخير لنا حتى اذا لم نفهم ذلك تماما. كذلك اقتناعنا بان الاخلاق القويمة تؤدى الى حياه افضل او مجتمع احسن. هذا لا يمنع مثلا وجود حالة مثل راهب تاليس لان النفس الامارة بالسوء و الشيطان موجودين.
الخوف كله من الحدود التى تنبع بدون اقناع بها او بمن فرضها.

Mmm! said...

هى مسألة نظريا دى اللى خوفتنى
كلنا عارفين كل الإجابات - بس نظريا - قليل جدا منا فكر فى الموضوع -أى موضوع - و اصبح عنده ولو شبه تصور للى هايعمله فعليا و لو بنسبة تأكد 80-90% . بعضنا اتعرض للإختبار/الموقف الفعلى ورد فعله مهما كان اتمنى انه بيكون مبنى على قناعة ما ، مش مجرد انجراف مع التيار ولا تكرار لتكرار.

قصة تاييس فعلا بتقول لنا ببساطة - بلاش تبقى واثق قوى - لا تاييس استمرت زى ما كانت ولا الراهب استمر زى ما كان . تاييس لما اقتنعت واختارت تحملت تبعات قرارها للنهاية . الراهب شكله ماكانش مقتنع قوى و النتيجة كانت مش ظريفة

شرفتينى بالتعليق يا مشمشة :)